الجصاص
6
أحكام القرآن
وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) ، فمنهم من جعل تمام الكلام عند قوله تعالى : ( والراسخون في العلم ) ، وجعل الواو التي في قوله : ( والراسخون في العلم ) للجمع ، كقول القائل : لقيت زيدا وعمرا ، وما جرى مجراه . ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وجعل الواو للاستقبال وابتداء خطاب غير متعلق بالأول . فمن قال بالقول الأول جعل الراسخين في العلم عالمين ببعض المتشابه وغير عالمين بجميعه ، وقد روي نحوه عن عائشة والحسن . وقال مجاهد فيما رواه ابن أبي نجيح في قوله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) يعني شكا ( ابتغاء الفتنة ) : الشبهات بما هلكوا ، لكن الراسخون في العلم يعلمون تأويله يقولون آمنا به . وروي عن ابن عباس : ويقول الراسخون في العلم ، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز . وقد روي عن ابن عباس أيضا : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا به ، وعن الربيع بن أنس مثله . والذي يقتضيه اللفظ على ما فيه من الاحتمال أن يكون تقديره : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) يعني تأويل جميع المتشابه على ما بينا " والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا " ، يعني ما نصب لهم من الدلالة عليه في بنائه على المحكم ورده إليه وما لم يجعل لهم سبيل إلى علمه من نحو ما وصفنا ، فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا ، وما أخفى عنا علم ما غاب عنا علمه إلا لعلمه تعالى بما فيه من المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا ، وما أعلمنا وما يعلمناه إلا لمصلحتنا ونفعنا ، فيعترفون بصحة الجميع والتصديق بما علموا منه وما لم يعلموه . ومن الناس من يظن أنه لا يجوز إلا أن يكون منتهى الكلام وتمامه عند قوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وأن " الواو " للاستقبال دون الجمع ، لأنها لو كانت للجمع لقال : ويقولون آمنا به ويستأنف ذكر الواو لاستئناف الخبر . وقال من ذهب إلى القول الأول : هذا سائغ في اللغة وقد وجد مثله في القرآن ، وهو قوله تعالى في بيان قسم الفئ : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ) [ الحشر : 7 ] إلى قوله تعالى : ( شديد العقاب ) [ الحشر : 8 ] ثم تلاه بالتفصيل وتسمية من يستحق هذا الفئ فقال : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) إلى قوله تعالى : ( والذين جاؤوا من بعدهم ) [ الحشر : 10 ] وهم لا محالة داخلون في استحقاق الفئ كالأولين ، والواو فيه للجمع ، ثم قال تعالى : ( يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) [ الحشر : 10 ] معناه : قائلين ربنا اغفر لنا ولإخواننا ، كذلك قوله تعالى : ( والراسخون في العلم يقولون ) ، معناه : والراسخون في